ليمان زينالوفا / وكالة ترند
عادت ضرورة إصلاح منظومة الأمم المتحدة لتتصدر المشهد الدولي من جديد خلال اجتماع صيغة «شنغهاي بلس» المنعقد في العاصمة القيرغيزية بيشكك. وفي ظل النزاعات الممتدة، والتصعيد الجيوسياسي، والتباينات الحادة داخل مجلس الأمن الدولي، يفرض سؤال جوهري نفسه بقوة على طاولة النقاش: إلى أي مدى يمتلك النظام الدولي الحالي القدرة على الاستجابة للتحديات المعاصرة وضمان تنفيذ قراراته؟
ويبرز الفشل في تنفيذ قرارات مجلس الأمن الأربعة الصادرة عام 1993 بشأن النزاع الأرميني الأذربيجاني كأحد أوضح الأمثلة على محدودية فاعلية المنظومة الأممية؛ فرغم أن تلك القرارات طالبت صراحة بوقف العمليات العسكرية وسحب القوات من الأراضي الأذربيجانية المحتلة، إلا أن المجتمع الدولي عجز على مدى عقود عن إيجاد آلية تنفيذية تضمن تطبيقها على أرض الواقع.
ونتيجة لذلك، اضطرت أذربيجان للاعتماد على قدراتها الذاتية لاستعادة وحدة أراضيها وبسط سيادتها الوطنية. وتعيد هذه التجربة طرح تساؤل بنيوي حول الجدوى العملية لقرارات مجلس الأمن إذا كانت المنظومة الدولية تفتقر إلى أدوات الردع والإلزام الكفيلة بإنفاذها.
وخلال كلمته في قمة «شنغهاي بلس» في بيشكك، شدد رئيس جمهورية أذربيجان إلهام علييف على أن التطبيق السريع لقرارات مجلس الأمن يتطلب تطوير آليات عمل حاسمة ومحددة.
وقال الرئيس إلهام علييف: «قبل أكثر من عام بقليل، وقّعت أذربيجان وأرمينيا بالأحرف الأولى على نص معاهدة السلام، لتطويا بذلك صفحة نزاع دام 30 عاماً. وهكذا، يتحول جنوب القوقاز من بؤرة صراع طويل إلى واحة للسلام. إن قرارات مجلس الأمن الدولي الأربعة الصادرة عام 1993 نُفذت بعد ثلاثة عقود، وتحديداً قبل ثلاث سنوات. واليوم، تزود أذربيجان أرمينيا بالمنتجات النفطية وتؤمن عبور شحنات الترانزيت لدول ثالثة. ونعمل مع الجانب الأرميني على زيادة حجم التبادل التجاري وتنويعه وإنشاء ممرات نقل برية جديدة. لكن للأسف، لم تلعب الأمم المتحدة أي دور في تنفيذ تلك القرارات؛ إذ استعادت أذربيجان سيادتها وسلامة أراضيها بالكامل بجهودها الذاتية. إن الأمر يتطلب صياغة آليات واضحة لتنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي في أطر زمنية قصيرة، وهو ما سيعزز هيبة المنظمة الدولية ويرفع من فاعلية دورها في تسوية النزاعات. وإن أذربيجان، التي ترأست حركة عدم الانحياز لأربع سنوات متتالية حتى وقت قريب، ستواصل تقديم مساهماتها لترسيخ مبادئ التعددية في الشؤون الدولية».
شواهد الإخفاق: من إفريقيا إلى البلقان والشرق الأوسط
لا تقتصر هذه المعضلة على نزاع بعينه؛ فالشواهد التاريخية عبر العقود الأخيرة تؤكد عجز قرارات الأمم المتحدة المتكررة عن وقف العمليات القتالية، أو حماية المدنيين، أو منع الكوارث الإنسانية الكبرى.
وتتجلى إحدى أكثر المآسي قسوة في أحداث رواندا عام 1994، حيث عجز المجتمع الدولي عن منع الإبادة الجماعية رغم وجود بعثة حفظ سلام أممية على الأرض. كما شكلت مجزرة سريبرينيتسا عام 1995 شاهداً إضافياً على انهيار منظومة الأمن الجماعي، بعدما تعرضت المنطقة للتطهير العرقي رغم إعلانها «منطقة آمنة» بقرار صادر عن مجلس الأمن.
وفي الأزمة السورية، اتخذ العجز شكلاً بنيوياً آخر؛ حيث أصيب مجلس الأمن بالشلل التام نتيجة التناقضات العميقة واستخدام الفيتو بين الأعضاء الدائمين، مما برهن على استحالة بلورة موقف دولي موحد عندما تتصادم مصالح القوى العظمى بشكل مباشر.
وامتدت هذه القيود الهيكلية لتطال مهام حفظ السلام؛ ففي جنوب السودان، واجهت البعثة الأممية المخصصة لدعم الدولة الناشئة وحماية المدنيين موجات جديدة من الحرب الأهلية، مما اضطر القبعات الزرقاء للتركيز على حماية أفرادها بدلاً من تنفيذ ولايتها.
وفي مالي، استُهدفت البعثة الأممية بهجمات التنظيمات المتطرفة، بينما واجهت أطول العمليات الأممية في جمهورية الكونغو الديمقراطية شبح الإخفاق وسط تعقيدات النزاعات المحلية والإقليمية. وكذلك في دارفور، عجزت البعثة الهجينة المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي عن الاضطلاع الكامل بتفويضها إثر تجدد جولات الصراع.
وتشير هذه الأمثلة المتراكمة إلى جوهر الأزمة: وجود فجوة عميقة وخطيرة بين حجم المهام الموكلة للأمم المتحدة وبين الأدوات التنفيذية المتاحة لها لإنفاذ تلك المهام.
اعترافات أممية: ترهل بيروقراطي وتضارب في المهام
تقر الأمم المتحدة داخلياً بوجود هذه الأزمات الهيكلية؛ إذ أظهرت مراجعة شاملة لتقييم تنفيذ الولايات الأممية، أُعدت ضمن أجندة الإصلاح لعام 2025، مظاهر واضحة للازدواجية وتكرار المهام بين الهياكل المختلفة، وضعف التنسيق، وتشتت الأنشطة، واتساع الهوة بين التفويض الممنوح والموارد المخصصة، فضلاً عن غياب المعايير الموحدة لمراجعة المهام.
وحذرت الوثيقة من أن الإدارة غير الفعالة لتنفيذ القرارات تقوض قدرة الدول الأعضاء على تحقيق أهدافها وتؤدي إلى تراجع المخرجات، مشيرة إلى غياب التقسيم الدقيق للعمل داخل أجهزة المنظمة، وضعف التنسيق أثناء إعداد الميزانيات والبرامج، وتركيز آليات الرقابة على كيانات فردية بدلاً من تقييم التناسق الاستراتيجي للمنظومة ككل.
ويعكس الحجم البيروقراطي للمنظمة عمق المشكلة؛ إذ تعتمد كيانات الأمانة العامة للأمم المتحدة على قرابة 4 آلاف مرجعية تفويضية كأدلة استرشادية لمقترحات ميزانيات البرامج، مع وجود إشارات متكررة للمرجعيات ذاتها، في حين تشير التقديرات إلى أن نحو 50% من تلك المرجعيات باتت فاقدة للصلاحية أو منتهية الصلاحية عملياً.
وجاء التعبير الأكثر صراحة عن حتمية التغيير في «تقرير التقدم» الصادر ضمن مبادرة الأمم المتحدة (UN80) في مايو 2026، والذي وصف الوضع القائم بأنه «غير مقبول»، مؤكداً أن المنظمة تقف أمام خيارين: إما الانخراط في «مسار إصلاح مدروس ومحسوب تُقره الدول الأعضاء وفق الأطر القانونية»، أو الخضوع لرياح التغيير تحت وطأة الضغوط الخارجية.
وحذر التقرير من مخاطر الجمود، قائلاً: «قد يبدو الوضع الراهن بمثابة مساحة راحة، لكنه في الحقيقة يتحول تدريجياً إلى فخ يعطل قدرات النظام الدولي ويترك نقاط الضعف دون معالجة».
إجماع دولي متنامٍ: كسر احتكار 1945
لم يعد الإقرار بحتمية الإصلاح مقتصراً على الدول المنتقدة لأداء المنظمة، بل بات مطلباً تتبناه قيادات دولية متعددة. فقد أكد رئيس قيرغيزستان صادر جباروف، خلال قمة بيشكك، أن أوجه القصور لا ينبغي أن تكون مبرراً لإضعاف الأمم المتحدة أو تهميشها، بل حافزاً لتقويتها وتحديث آلياتها عبر توافق دولي واسع.
كما شدد رئيس كازاخستان قاسم جومارت توكاييف على أن المنظمة تمثل نواة النظام الدولي ويظل ميثاقها الأساس الشامل للقانون الدولي، مشيراً إلى أهمية تعزيز دورها التنسيقي في ظل الاستقطاب الجيوسياسي الحاد.
من جانبه، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مراراً إلى مواءمة المؤسسات الدولية مع الواقع الراهن، مؤكداً: «العلاقات الدولية تتغير، لكن المنظمات متعددة الأطراف لا تزال تعكس حقائق عام 1945. يتعين علينا إصلاح مؤسساتنا، بما فيها الأمم المتحدة ونظام بريتون وودز، لزيادة تمثيل وتأثير الدول النامية لبناء نظام دولي عادل».
بدوره، أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على ضرورة رفع كفاءة المنظمة وتوسيع تمثيل دول «الجنوب العالمي» والشرق في مجلس الأمن لمواكبة التحولات في موازين الاقتصاد والسياسة العالمية. بينما صرح رئيس وزراء باكستان شهباز شريف بوضوح أن «الأمم المتحدة بحاجة ماسة للإصلاح لتغدو أكثر خضوعاً للمساءلة وسرعة في الاستجابة».
تفكيك البنية الهيكلية وتحدي فرض القرارات
يتجاوز التحدي مجرد زيادة المقاعد أو إعادة توزيع الحصص داخل مجلس الأمن إلى ضرورة مواءمة الهيكل الدولي ككل مع حقائق القرن الحادي والعشرين.
وفي هذا السياق، يرى السفير الأمريكي السابق لدى أذربيجان ماثيو برايزا أن العيب الهيكلي الأكبر للأمم المتحدة يكمن في تأسيسها عقب الحرب العالمية الثانية بناءً على واقع سياسي منح خمس دول فقط حق احتكار القرار الدولي (الولايات المتحدة، والاتحاد السوفيتي – روسيا حالياً، والصين، وفرنسا، وبريطانيا).
وأوضح برايزا أن المشهد العالمي شهد تحولات جذرية مع صعود قوى إقليمية ذات ثقل عالمي تستحق صوتاً مكافئاً، مثل تركيا وألمانيا واليابان والبرازيل، مؤكداً أن فكرة مجلس أمن بصلاحيات مطلقة لخمس دول لم تعد تناسب الحاضر، ومستشهداً بمقولة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الشهيرة: «العالم أكبر من خمسة».
وحدد برايزا المعضلة الثانية في غياب آليات الردع والتنفيذ الإلزامي لقرارات المنظمة، مذكراً بقرارات مجلس الأمن الخاصة بأذربيجان والتي ظلت حبراً على ورق لثلاثة عقود. كما أشار إلى ضرورة معالجة المعضلة الثالثة المتمثلة في التضخم البيروقراطي داخل الأجهزة الأممية، مقابل إعادة توجيه الموارد نحو الوكالات الإنسانية الميدانية الفاعلة.
مفترق طرق تاريخي
تقف الأمم المتحدة اليوم أمام مفارقة بنيوية؛ فهي من جهة المنصة العالمية الشاملة والوحيدة للحوار الدبلوماسي، ومن جهة أخرى تعجز منظومة أمنها الجماعي عن العمل في أكثر اللحظات الدولية حرجاً.
لقد تحول حق النقض (الفيتو) من أداة لحفظ التوازن بين القوى الكبرى إلى وسيلة لتعطيل الإرادة الجماعية، وتصاعدت الانتقادات بشأن ازدواجية المعايير والانتقائية في تطبيق القانون الدولي.
إن معركة إصلاح الأمم المتحدة لم تعد مجرد خلاف تقني حول توزيع مقاعد مجلس الأمن، بل هي معركة للحفاظ على ما تبقى من مصداقية النظام الدولي وقواعده الحاكمة. وإذا عجزت المنظومة عن تجسير الفجوة بين مبادئها النظرية وقدراتها التنفيذية، فإن الأزمة لن تكون مجرد تراجع لمنظمة دولية، بل انهياراً لمفهوم التعددية الدبلوماسية برمته.