تتجه الأنظار صوب العاصمة الأذربيجانية باكو باعتبارها باتت تلعب دور «بيضة القبان» في معادلات التجارة والنقل الدولية، متجاوزةً حدود فضاء جنوب القوقاز لتتحول إلى المعبر الإجباري والشريان اللوجستي الأكثر أماناً لربط الصين ودول آسيا الوسطى المنضوية تحت مظلة منظمة شنغهاي للتعاون بالأسواق الأوروبية المتعطشة للبضائع والطاقة.
وجاءت مشاركة الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف في قمة «شنغهاي بلس» التي احتضنتها العاصمة القيرغيزية بيشكك، لترسخ هذا التحول وتضع باكو في صلب الحسابات الجيوسياسية للمنظمة الآسيوية الأكبر؛ حيث يرى مراقبون أن أذربيجان تملك اليوم مفاتيح أهم ممرات الربط البري والبحري بين الشرق والغرب.
وفي حديث خاص، اعتبر المحلل السياسي آذر قراييف أن القيمة الاستراتيجية لأذربيجان داخل فضاء «شنغهاي» ليست وليدة الصدفة، بل نتاج تموضع جغرافي فريد يُشرف على بحر قزوين باتجاه عمق آسيا الوسطى، وينفذ عبر القوقاز إلى البوابة التركية نحو أوروبا، في حين ينفتح جنوباً على خطوط التجارة مع الشرق الأوسط، مما يجعل البلاد حلقة وصل حيوية لا غنى عنها لدمج الأسواق الأوراسية المتباعدة.
ويأتي في قلب هذه المعادلة مشروع «الممر الأوسط» (Middle Corridor)؛ إذ باتت باكو مركز الثقل الترانزيتي لتفريغ وإعادة شحن الحاويات والبضائع القادمة من موانئ الصين عبر بحر قزوين، لنقلها عبر جورجيا وتركيا مباشرة إلى الموانئ الأوروبية، مستندة إلى ترسانة بنية تحتية متطورة على رأسها ميناء «ألات» الدولي للتجارة البحرية، والخط الحديدي الاستراتيجي «باكو–تبليسي–قارص»، إلى جانب شبكات طرق سريعة وسكك حديدية حديثة.
ويؤكد قراييف أن قادة دول منظمة شنغهاي لم يعودوا ينظرون إلى هذه الممرات كأداة لتسريع حركة التجارة وحسب، بل كطوق نجاة وبديل استراتيجي موثوق في ظل اشتعال الممرات المائية التقليدية واضطراب خطوط الملاحة الدولية، وهو ما يجعل باكو المنصة الأكثر جاهزية لحماية سلاسل التوريد العالمية من مخاطر التوترات الجيوسياسية.
هذا الزخم عززه الانفتاح غير المسبوق في علاقات باكو مع عواصم آسيا الوسطى — لاسيما أستانا وبيشكك وطشقند وعشق آباد — حيث تحول بحر قزوين من مجرد حاجز مائي إلى جسر اقتصادي يتدفق عبره التعاون في مجالات النقل والتعدين والاستثمارات المشتركة.
وعلى الصعيد الإقليمي، حملت رسائل الرئيس إلهام علييف في قمة بيشكك أبعاداً تجاوزت الجغرافيا، بعدما أعلن بوضوح إسدال الستار على نزاع دام ثلاثة عقود مع أرمينيا وانطلاق قطار السلام المستدام في جنوب القوقاز، ما فتح الباب عملياً أمام إعادة تشغيل الشرايين اللوجستية المغلقة.
وكشف قراييف في هذا السياق عن تحولات ميدانية لافتة؛ إذ بدأت أذربيجان بالفعل تزويد يريفان بالمشتقات النفطية وتسهيل عبور شحنات الترانزيت لدول ثالثة، بالتوازي مع مباحثات لتوسيع التبادل التجاري وتدشين شبكات طرق برية جديدة بين الجانبين، الأمر الذي يعيد رسم الخريطة الاقتصادية للمنطقة برمتها.
وتتجه الأنظار في هذا الإطار إلى «ممر زانغيزور» المرتقب، الذي يرى فيه الخبراء إضافة نوعية ستضاعف طاقة «الممر الأوسط» الاستيعابية، وتوفر اختصاراً زمنياً وتكلفة أقل لتدفق سلع آسيا الوسطى نحو تركيا والبحر المتوسط، مما يكرس أذربيجان كمهندس رئيسي للبنية اللوجستية المستقبلية في القارة الأوراسية برمتها.
ولا يقتصر هذا التحالف غير المعلن على حركة الشاحنات والقطارات؛ فالطاقة تشكل الوجه الآخر لأهمية باكو بالنسبة لدول «شنغهاي»، عبر تصدير غاز قزوين، وتدشين كابلات نقل الكهرباء ومشاريع الطاقة الخضراء والربط الشبكي العابر للحدود.
وخلص المحلل السياسي إلى أن مخرجات قمة بيشكك برهنت على أن الرهان على أذربيجان لم يعد مجرد مجاملة دبلوماسية في أروقة المؤتمرات، بل شراكة وجودية قائمة على تحويل الجغرافيا السياسية إلى مشاريع اقتصادية ملموسة تفتح بها باكو أبواب الغرب أمام قوى الشرق الصاعدة.