تحتفظ سجلات التاريخ السوفيتي بصفحات بالغة القتامة، من معسكرات «الغولاغ» وحملات القمع السياسي وصولاً إلى حقول الإعدام الجماعية، غير أن بقعة جغرافية نائية وسط مجاهل التايغا السيبيرية تختزل مأساة إنسانية فريدة سُحق فيها الخط الفاصل بين البشرية والتوحش خلال أسبوع واحد فقط؛ إنها جزيرة «نازينو» الواقعة في مجرى نهر «أوب»، والتي حُفرت في الذاكرة الشعبية بلقب «جزيرة الموت»، بينما قيدتها وثائق جهاز الأمن السوفيتي (NKVD) تحت مسمى «المستوطنة الخاصة رقم 1».
حملات التطهير وبدء المأساة
تعود جذور المأساة إلى مطلع عام 1933، حين دشّن الاتحاد السوفيتي منظومة إصدار بطاقات الهوية وجوازات السفر الموحدة؛ وتقدم رئيس معسكرات الغولاغ ماتفي بيرمان بمقترح إلى جوزيف ستالين يقضي بـ«تطهير» موسكو ولينينغراد من «العناصر غير المرغوبة» كالمتسولين والمشردين والمضاربين.
غير أن الأجهزة الأمنية، سعياً لاستيفاء الحصص الرقمية المطلوبة، شنت حملات اعتقال عشوائية في شوارع العاصمة طالت مواطنين أبرياء لم يكونوا يحملون هوياتهم؛ من بينهم سائق مصنع حائز على أوسمة شرف، وطالب جامعي يحمل تذكرة مسرح، وطفلة في الثانية عشرة من عمرها ضلت طريقها عن والدتها في المحطة. وجرى شحن هؤلاء المعتقلين قسراً في قطارات نقل الماشية لأسابيع دون السماح لهم بمهاتفة ذويهم أو جلب ملابسهم، قبل أن يُزج معهم في سجون «تومسك» عتاة المجرمين من القتلة واللصوص والمسلحين.
جحيم المستنقع وانفلات البقاء
في 18 مايو/أيار 1933، رست السفن على ضفاف جزيرة نازينو؛ وهي رقعة طينية موحلة بطول 3 كيلومترات وعرض 500 متر، تفتقر تماماً للمأوى والخيام وأدوات المعيشة الأساسية. وأُلقي بأكثر من 6 آلاف مدني بملابسهم الربيعية الخفيفة وسط صقيع سيبيريا القارس، ليلقى 295 شخصاً حتفهم تجلداً من البرد في الليلة الأولى وحدها.
ولم تصل أولى الإمدادات إلا في اليوم الرابع واقتصرت على أكياس من دقيق الجاودار النيئ؛ وفي ظل انعدام الأواني والمياه الصالحة للشرب، لجأ المحتجزون لخلط الطحين بمياه النهر الملوثة داخل أحذيتهم، مما تسبب في تفشي وباء الدوسنتاريا القاتل وحصد مئات الأرواح.
السطو المسلح وظاهرة أكل لحوم البشر
سرعان ما فرضت العصابات الجنائية سيطرتها المسلحة على الجزيرة، مجردة الضعفاء والمرضى من ملابسهم وأسنانهم الذهبية تحت وطأة التهديد، في حين كان الحراس يطلقون النيران الحية على الفارين نحو النهر بقصد التسلية. ومع نفاد الطحين تماماً، شهدت الجزيرة تحولاً مروعاً نحو أكل لحوم البشر؛ حيث بدأ الأمر بالتهام جثث المتوفين، وسرعان ما تطور إلى مطاردة الأحياء وقتلهم.
ووثقت الأرشيفات الرسمية واقعة مأساوية لفتاة شابة كانت تحظى بحماية أحد الحراس، أقدمت مجموعات من المجرمين على احتجازها وتناول لحمها حية فور ابتعاد الحارس عنها لبضع ساعات.
وثيقة فيليتشكو وحصيلة الموت
استمر الجحيم شهراً كاملاً حتى وصول المفتش والمدرب الحزبي الشاب فاسيلي فيليتشكو، الذي صُدم بالمشاهد ووثق الكارثة في تقرير سري من 11 صفحة أرسله مباشرة إلى ستالين، مؤكداً أن «ما جرى ليس استيطاناً أو عملاً إنتاجياً، بل إبادة جماعية معلنة».
وأحدث التقرير هزة في أروقة الكرملين؛ إذ أرسلت موسكو لجنة تحقيق أثبتت صحة الوقائع بالكامل، لكن المحاسبة انتهت بأحكام شكلية قصيرة بحق صغار المسؤولين تراوحت بين سنة وثلاث سنوات سجن، بينما حُفظ التقرير تحت بند «سري للغاية» لعقود طويلة لحماية بنية النظام القمعي.
ومن بين أكثر من 6000 إنسان جرى نفيهم إلى نازينو، لم ينجُ سوى أقل من ألفي شخص خرج معظمهم بعاهات مستديمة؛ بينما قضى أكثر من 4 آلاف ضحية نحبهم نتيجة الصقيع والجوع وتفشي الجرائم في غضون أسابيع معدودة. واليوم، تقف الجزيرة مقفرة ومهجورة، بينما تواصل مياه نهر أوب نبش عظام الضحايا وإخراجها إلى السطح؛ لتبقى شاهداً على واحدة من أبشع المآسي الإنسانية في القرن العشرين.