يُمثّل أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي، الشهير بـ«ابن الأبّار»، علامة فارقة ومأساوية في تاريخ الفكر والأدب الأندلسي؛ إذ اجتمعت في شخصيته براعة المؤرخ المتبحر، ودقة المحدث، ولسان الشاعر المفلق، وحنكة الدبلوماسي السياسي. غير أن طموحه الجارف وكبرياءه الحاد سارعا بنهايته المفجعة؛ ليموت قتيلاً ويُحرق جثمانه مع نتاجه العلمي والفكري في واقعة تلخص مأساة المثقف في بلاط السلطان.
التكوين العلمي وسفارة إنقاذ بلنسية نشأ ابن الأبّار في بلدة أُنْدَة بضواحي بلنسية لأسرة قضاعية عريقة، ونهل العلم من كبار شيوخ عصره، كأبي جعفر الحصّار وابن واجب، وتتلمذ على يد محدث عصره أبي الربيع بن سالم لعشرين عاماً، فصقل موهبته الإنشائية وحثه على مواصلة مشاريع التراجم الكبرى، ومنها إتمام كتاب «الصلة» لابن بَشْكُوال. ولم يكد يبلغ الثلاثين حتى ذاع صيته، فتقلد ديوان الإنشاء لدى حكام بلنسية المتعاقبين حتى استقر به المقام كاتباً لأميرها زيّان بن مردنيش عام 626هـ.
وعندما أحكم ملك أراغون خايمي الأول حصاره الخانق على بلنسية عام 635هـ (1238م)، انتدبه ابن مردنيش سفيراً ومستغيثاً بسلطان الدولة الحفصية في تونس أبي زكريا يحيى الأول، محملاً ببيعة المدينة وطلب الإسناد العسكري. وهناك ألقى سينية استغاثته الشهيرة التي هزت أركان البلاط الحفصي وأبكت الحاضرين بمطلعها الخالد:
أدرك بخيلك خيلَ اللهِ أندلسا
إنّ السبيلَ إلى منجاتها درسا
ورغم استجابة السلطان بإرسال أسطول بحري محمل بالمؤن والسلاح، سقطت بلنسية المحاصرة، ما اضطر ابن الأبّار للنزوح النهائي بأسرته إلى تونس عام 636هـ.
بين مجد الدواوين ودسائس القصور حظي ابن الأبّار في تونس بمكانة عليا وثروة واسعة لدى أبي زكريا الحفصي؛ إذ وُكلت إليه أمانة الإنشاء ووضع "العلامة السلطانية" على المراسيم الرسمية. إلا أن حسد المنافسين، مقروناً باعتداده الصارم بنفسه وأنفته، قاده إلى الصدام مع السلطان بعد رفضه تقليص صلاحياته لصالح خطاط جديد، فعُزل عن منصبه. وسعياً لرأب الصدع، ألّف مصنفه الذائع «إعتاب الكتّاب» متوسلاً بشفاعة ولي العهد أبي يحيى زكريا؛ فعفا عنه السلطان.
ومع تولي المستنصر الحفصي مقاليد الحكم، دخل الأديب الأندلسي في طور قاتم من الاضطراب؛ فنُفي بداية إلى بجاية عام 655هـ، ثم أُعيد إلى تونس. غير أن حدة طبعه وتصريحاته الناقدة للمستنصر وحاشيته -فضلاً عن تهم هجاء نُسبت إليه وتنافس مع بطانة القصر- دفعت السلطان إلى اتخاذ قرار دموي بحقه؛ فقُتل غيلة عام 658هـ، ثم أُلقي جثمانه مع مؤلفاته ومخطوطاته وإجازاته العلمية في محرقة مروعة طمست الكثير من تراثه.
الإرث المتبقي ومصنفات التراجم رغم ضياع معظم إنتاجه الذي نافز 45 مصنفاً، سلمت للمكتبة العربية ستة كتب تأسيسية انقسمت بين التاريخ والحديث والأدب والتراجم:
التكملة لكتاب الصلة: ذيل معجمي بالغ الأهمية لتراجم أعيان الأندلس وعلمائها وشعرائها بعد ابن بشكوال.
الحلّة السِّيراء: تأريخ سياسي وعسكري موسع يترجم لمشاهير القادة والحكام والوزراء في الأندلس والمغرب.
المعجم في أصحاب القاضي أبي علي الصدفي: معجم رجالي دقيق لتلاميذ المحدث والفقيه الأندلسي الشهير.
تحفة القادم: مختارات ومختصرات في تراجم شعراء الأندلس وتوثيق تجاربهم.
إعتاب الكتّاب: عمل يجمع بين القيمة الأدبية والسياسية، ضم 75 ترجمة لكتاب اعتذروا للملوك ونالوا العفو، ليكون دليلاً على أدب إقالة العثرات.
درر السِّمط في خبر السِّبط: سيرة تاريخية لأخبار الإمام الحسين بن علي، تعكس محبته لآل البيت.
حظي ابن الأبّار باهتمام المؤرخين الكبار كابن خلدون والمقري والغبريني، وشغل المستشرقين المعاصرين (أمثال دوزي وكوديرا) الذين رأوا في مدوناته التاريخية توثيقاً نادراً لأفول الأندلس، وشاهداً حياً على تمازج الفصاحة الأدبية بنكبات المنفى والسياسة.