كشفت دراسة حديثة ومثيرة للجدل في الولايات المتحدة عن معضلة يومية يعاني منها ملايين السائقين حول العالم دون وجود رادع قانوني؛ حيث تبين أن شدة وهج المصابيح الأمامية للسيارات الحديثة باتت خطراً بصرياً محدقاً على الطرقات السريعة، وسط عجز وتشوهات واضحة في اللوائح والتشريعات المرورية الفيدرالية المعتمدة.
وأظهر استطلاع واسع أجرته «جمعية السيارات الأمريكية» (AAA) أن ستة من بين كل عشرة سائقين في أمريكا يعتبرون سطوع الإضاءة الليلية خطراً حقيقياً يهدد سلامتهم، بينما أكد قرابة ثلاثة أرباع المشاركين أن ظاهرة «العمى المؤقت» الناجمة عن أضواء السيارات المقابلة ازدادت سوءاً خلال العقد الأخير. وجاءت هذه الأرقام متطابقة مع نتائج بحث ميداني فني أجرته شركة البصريات «أوفرنايت غلاسيز»، مستندة إلى بيانات ومعايير «معهد تأمين السلامة على الطرق السريعة» (IIHS) لـ 257 طرازاً من مختلف فئات السيارات.
واعتمدت الدراسة منهجية ذكية جمعت بين قوة الإشعاع الضوئي الفعلي ومستوى ارتفاع المركبة عن سطح الأرض؛ إذ كلما زاد ارتفاع الشاحنة أو السيارة، استقرت مصابيحها الحادة مباشرة في مستوى نظر السائقين المقابلين.
وجاءت الصدمة الكبرى في نتائج الجيل الثاني من شاحنة البيك آب الشهيرة «نيسان تيتان» (موديلات 2017 إلى 2024)، حيث سجلت مستويات وهج قياسية فاقت الحدود القصوى والآمنة لمعهد السلامة بنسبة مروعة بلغت 615.1%؛ وهي النتيجة الأسوأ على الإطلاق بين 16 طرازاً مختلفاً من مصابيح تيتان التي خضعت للفحص طوال سنوات إنتاجها.
ورغم أن سيارة الدفع الرباعي الفارهة «بي إم دبليو إكس 5» (BMW X5) أنتجت وحدات إضاءة أكثر سطوعاً بنسبة تجاوزت 677.8% فوق الحد المسموح به، فإن «نيسان تيتان» تفوقت عليها وتصدرت الترتيب الإجمالي لأسوأ سيارة في الوهج البصري، محققة العلامة الكاملة في مؤشر الخطر (100 نقطة مقابل 95.6 نقطة لبي إم دبليو)؛ والسبب يعود إلى علو هيكل الشاحنة اليابانية الضخمة مقارنة بالسيارة الألمانية، ما يجعل حزم ضوئها تخترق عيون السائقين دون أدنى تشتيت.
وفرض عامل الارتفاع هيمنة شبه كاملة لشاحنات البيك آب كاملة الحجم على قائمة أسوأ المركبات إنتاجاً للوهج؛ إذ جاءت «شيفروليه سيلفرادو 1500» في المركز الثاني خلف نيسان تيتان، وحلت شاحنة «رام 1500» ثالثة، ثم «جي إم سي سييرا 1500» خامسة، في حين جاءت المفاجأة بحلول «فورد إف-150» في المركز العاشر بمؤشر أمان أفضل مقارنة بسيارات أصغر مثل «لينكون نوتيلوس» و«فورد إيدج».
المفارقة الصادمة في التقرير تكمن في أن جميع هذه المركبات، رغم قسوة أضوائها على العيون، مرخصة قانونياً ومطابقة بنسبة 100% للمواصفات والمقاييس الفيدرالية في الولايات المتحدة؛ مما يكشف عن هوة تشريعية واسعة تعود لقوانين عفا عليها الزمن، تفشل في ردع الشركات أو حثها على ضبط زوايا السطوع، وتتباطأ في اعتماد تقنيات الإضاءة الذكية والتكيفية (Adaptive Driving Beams) القادرة على حجب الضوء تلقائياً عن السيارات المقابلة دون الإضرار بإنارة الطريق.