مع اقتراب اكتمال أعمال بناء قاعة الاحتفالات الذهبية في الجناح الشرقي للبيت الأبيض على مساحة تتجاوز ألفي متر مربع، يواجه دونالد ترامب مفارقة سياسية لافتة في خريف عام 2026؛ ففي حين تتهاوى معدلات شعبيته إلى مستويات قياسية ويستعد حزبه لانتخابات التجديد النصفي الأكثر تعقيداً منذ عقد، يقترب دستورياً من التحول إلى "بطة عرجاء" بفقدانه حق الترشح لولاية جديدة. إلا أن القواعد التقليدية للسياسة الأميركية تكاد تنقلب في حالته رأساً على عقب؛ إذ إن تضاؤل مستقبله الانتخابي يحرره من قيود الموازنات الحزبية، ليفتح أمامه باب المناورة الفردية بلا كوابح.
نموذج السلطة بعد بتلر: تفكيك الرقابة وإعادة هندسة المؤسسات تحمل الولاية الثانية قطيعة كاملة مع إرث الإدارة الأولى التي تميزت بوجود "كوابح مؤسسية" من أمثال جيمس ماتيس وجون كيلي. فمنذ محاولة اغتياله في بتلر بولاية بنسلفانيا في يوليو/تموز 2024، ترسخت قناعة لدى ترامب بمهمة استثنائية، تجلت في سياسة تعيينات جذرية قوامها الولاء الشخصي الصارم بدلاً من الخبرة البيروقراطية؛ فعيّن بام بوندي مدعية عامة، وكاش باتيل مديراً لمكتب التحقيقات الفيدرالي، وبيت هيغسيث وزيراً للدفاع، وسوزي وايلز لإدارة جهاز البيت الأبيض.
وقد أفضت هذه التركيبة إلى تآكل غير مسبوق في استقلالية أجهزة إنفاذ القانون والاستخبارات؛ حيث باتت التحقيقات تُوجه لملاحقة الخصوم السياسيين، فيما اتخذت القرارات الداخلية طابعاً فوقياً عبر نشر الحرس الوطني في المدن وتوسيع مداهمات دائرة الهجرة والجمارك متجاوزة التنسيق مع حكام الولايات، رغم معارضة ثلثي الشارع الأميركي لتوسيع الصلاحيات الرئاسية وفق استطلاعات الرأي.
قصر بلا كونغرس: تراجع السلطة التشريعية ونفوذ الصفقات الفردية تراجعت فاعلية الكونغرس الرقابية أمام السلطة التنفيذية بصورة ملموسة؛ حيث مرر المشرعون تثبيت التخفيضات الضريبية لعام 2017 مضحين بملفات الدين العام، ولم يعطلوا الحملة العسكرية ضد إيران التي بدأت أواخر فبراير/شباط 2026 دون إعلان حرب دستوري.
وعلى الصعيد المالي، جمدت الإدارة عبر مكتب الإدارة والميزانية بقيادة راسل فوت نحو 4.9 مليارات دولار من مساعدات التنمية الدولية عبر آليات تجاوزت إرادة المشرعين، لتبلغ النفقات المجمدة أو المطعون فيها أمام القضاء ما بين 410 و437 مليار دولار، في خطوة وصفتها قيادات تشريعية بأنها مساس مباشر بسلطة الخزانة المنوطة بالكونغرس.
كما انسحب هذا النمط الفردي على إدارة الاقتصاد وكبريات الشركات، كما جرى في فرض استقالة رئيس شركة "إنتل" وتحويل منح قانون الرقائق إلى استحواذ حكومي على 10% من أسهمها، بجانب الجدل الدستوري والسياسي الذي رافق استخدام طائرة البوينغ الرئاسية الفاخرة الممنوحة من الدوحة.
المحكمة العليا والكونغرس: حدود الممانعة القانونية والرمزية لم يكن هذا التمدد التنفيذي دون مقاومة؛ إذ وجهت المحكمة العليا -رغم أغلبيتها المحافظة- ضربات دستورية كابحة لسياسات البيت الأبيض:
إبطال رسوم التحرير: قضت المحكمة في قضية "ليرنينغ ريسورسز ضد ترامب" (6-3) بعدم اختصاص الرئيس بفرض تعرفات جمركية بموجب قانون الطوارئ الاقتصادية، مما عطل تحصيل أكثر من 160 مليار دولار ودفع ترامب للالتفاف عبر المادة 122 من قانون التجارة المقيدة زمنياً بـ 150 يوماً.
حماية الاحتياطي الفيدرالي: رفضت المحكمة (5-4) عزل عضوة مجلس المحافظين ليزا كوك، مكرسة خطاً أحمر حول استقلالية السياسة النقدية والبنك المركزي، رغم تساهلها في السماح للرئيس بعزل مسؤولي هيئات تنظيمية أخرى.
المواطنة بالولادة: قضت المحكمة بعدم دستورية تقييد حق المواطنة بالولادة المنصوص عليه في التعديل الرابع عشر، مما أشعل نزاعات قضائية متجددة بعد تعديل البيت الأبيض للمرسوم.
قرارات حرب رمزية: مرر مجلس الشيوخ بصعوبة (50 مقابل 48) قراراً غير ملزم بشأن صلاحيات الحرب لوقف العمليات ضد إيران بتأييد أربعة جمهوريين، ورغم تمرير مجلس النواب وثائق مماثلة، إلا أنها افتقرت للفاعلية الملزمة وبقيت في حدود الضغط السياسي.
مفترق انتخابات التجديد النصفي ومآلات الحصانة الرئاسية يخوض ترامب معاركه الراهنة وسط تآكل حاد في رصيده الشعبي؛ حيث انحدرت نسبة الرضا عن أدائه إلى 33% وفق استطلاعات رويترز/إبسوس، مترافقة مع تراجع الدعم للحملة العسكرية الإيرانية التي حمّلها الشارع مسؤولية غلاء المعيشة وأسعار الوقود، وللمرة الأولى منذ عقد، تقدم الديمقراطيون في مؤشرات الثقة بإدارة الاقتصاد وفارق تكاليف المعيشة. وعلى الصعيد الحزبي، ظهرت شقوق واضحة في نفوذ ترامب داخل الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري بعد خسارة مرشحين بارزين حظوا بتزكيته المباشرة في وايومنغ وجورجيا وتينيسي.
وترسم أسواق التوقعات، ومنها منصة "كالشي"، احتمالات تتجاوز 80% لسيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب مقابل صراع شديد التنافس على مجلس الشيوخ. ويحدد هذا المفترق طبيعة المرحلة المقبلة:
احتفاظ الجمهوريين بالمجلسين: يمنح الرئيس شيكاً على بياض لتكريس أجندته التشريعية وتثبيت القضاة.
انقسام الكونغرس: يفتح الباب أمام لجان التحقيق وجلسات الاستماع واستدعاء الشهود تحت القسم في مجلس النواب، مع احتفاظ ترامب بغطاء مجلس الشيوخ للتعيينات الفيدرالية.
سيطرة الديمقراطيين الكاملة: يضع البلاد أمام أزمة دستورية مفتوحة، تحصر أدوات الرئيس في المراسيم التنفيذية وحق النقض "الفيتو".
إن التجربة التاريخية لعلم السياسة تشير إلى أن المسؤول الذي يُحرم من فرصة إعادة الانتخاب يصبح أكثر جرأة وميلاً للمخاطرة، لا سيما في السياسة الخارجية والقرارات الأحادية؛ ومع غياب الحاجة لاسترضاء الكتل الانتخابية مجدداً، يدخل ترامب العامين الأخيرين من ولايته متسلحاً بأدوات تنفيذية مشددة، ومستعداً لدفع حدود الصلاحيات الرئاسية إلى أبعاد دستورية جديدة.