مع إعادة خلط الأوراق على رقعة الشطرنج الجيوسياسية العالمية، تشهد منطقة جنوب ووسط آسيا تحركات عسكرية لافتة تعكس تقارباً استراتيجياً متسارعاً بين أنقرة وإسلام آباد وبكين. ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة «جيروزاليم بوست» الإسرائيلية، فإن هذا التنسيق الثلاثي المتصاعد لم يعد مجرد تعاون دفاعي عابر، بل بات يحمل مؤشرات على تشكل تحالف إقليمي وازن قادر على إحداث ارتدادات عميقة في بنية التوازنات الإقليمية وبنية الأمن الدولي ككل.
وتشير التقديرات الميدانية إلى أن كثافة الرحلات الجوية لطائرات الشحن العسكري والمشاريع الصناعية المشتركة بين الدول الثلاث تضع المنطقة أمام واقع أمني وعسكري جديد.
حركة نقل جوي مكثفة في القواعد العسكرية الباكستانية
كشفت معطيات استخباراتية نقلتها مصادر أمنية هندية عن رصد حركة جوية استثنائية وغير معتادة في الأجواء الباكستانية؛ حيث وثقت هبوطاً متتالياً لطائرات نقل عسكري ثقيلة تابعة لسلاح الجو الصيني في قاعدتي «نور خان» بالقرب من راولبندي، و«مسرور» في كراتشي.
ولم يتوقف هذا الجسر الجوي عند الحدود الصينية والباكستانية؛ بل انخرطت فيه طائرات شحن عسكري تركية على نحو متزامن، مما يبرز حجم التنسيق والربط العملياتي بين العواصم الثلاث. ويرى خبراء عسكريون أن هذه الشحنات الجوية المتتالية قد تحمل معدات حساسة تشمل منظومات رادارية متقدمة، وطائرات مسيّرة ضاربة، وتجهيزات فائقة التطور للحرب الإلكترونية والتشويش.
شراكة تصنيع دفاعي: من مقاتلات «قاآن» إلى «JF-17»
يتجاوز التعاون الدفاعي بين أنقرة وإسلام آباد حدود الإسناد اللوجستي ليطال مشاريع تكنولوجية بالغة الحساسية؛ حيث يعمل الجانبان على تعميق الشراكة في مجالات الطائرات المسيّرة، والمنصات البحرية المقاتلة، وتكنولوجيا الفضاء والأقمار الاصطناعية.
ويبرز في هذا السياق انخراط كوادر عسكرية وفنية باكستانية في برنامج مقاتلة الجيل الخامس التركية «قاآن» (KAAN)، وهو ما يعد دليلاً ملموساً على عمق الاندماج الصناعي والتطويري بين البلدين.
وفي المقابل، تحافظ إسلام آباد على روابطها العسكرية الوثيقة مع بكين من خلال الإنتاج المشترك للمقاتلة متعددة المهام «JF-17 ثاندر»، التي تشكل العمود الفقري لسلاح الجو الباكستاني بدعم تكنولوجي صيني مستمر.
تكامل استخباري وتدفق لحظي للبيانات
بلغ التكامل العسكري بين بكين وإسلام آباد مرحلة متقدمة في مجال تبادل المعلومات الاستخبارية الحساسة. وفي هذا الصدد، ادعى نائب رئيس أركان الجيش الهندي، الفريق راهول سينغ، أن الصين تزود الجيش الباكستاني بتدفق فوري ومباشر للبيانات والمعلومات الاستخباراتية (Live data stream) حول تحركات القوات الهندية وتموضعها ومواقعها العسكرية الحيوية.
ويتيح هذا التنسيق الميداني لباكستان - التي تعتمد ترسانتها بشكل واسع على التقنيات الصينية من طائرات مقاتلة وغواصات حديثة وطائرات مسيّرة - مضاعفة قدراتها الردعية ورفع مستوى جاهزيتها القتالية في مسرح العمليات المشترك.
دوافع متباينة وأولويات استراتيجية متقاطعة
على الرغم من التقاء أطراف هذا المثلث على أهداف مشتركة، فإن كلاً منها يتحرك وفق أولوياته القومية وحساباته الذاتية:
الصين: تتبع سياسة قوة براغماتية تمكنها من تعزيز نفوذها الأمني والعسكري في آسيا والممرات البحرية الدولية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على نفوذها الاقتصادي والأكاديمي العالمي، بما في ذلك الحفاظ على صلات تمويلية ومؤسسية واسعة مع جامعات غربية وأمريكية كبرى.
تركيا: تتمسك بعضويتها الاستراتيجية في حلف شمال الأطلسي (الناتو) لحماية مصالحها السيادية في البحر المتوسط وقبرص واليونان، بينما تفرض حضورها كقوة مستقلة بفضل قفزات صناعاتها الدفاعية الوطنية، متخذة مواقف حازمة تجاه السياسات الإسرائيلية في الشرق الأوسط.
باكستان: تستثمر شراكتها الاستراتيجية الراسخة مع بكين وتوافقها الدفاعي مع أنقرة لتحصين جبهتها الجنوبية والشرقية، مما يجعلها نقطة ارتكاز جغرافية وعسكرية حاسمة تربط القوقاز والشرق الأوسط بعمق آسيا.